↩ فهرس صورة الصدر
صورة الصدر البسيطة — Chest X-Ray (A to Y)

فيزياء الأشعة وتقنيات التصوير

1

الفصل 1: فيزياء الأشعة وتقنيات تصوير الصدر

1
الفصل الأول

الأساسيات والتقنية

صورة الصدر البسيطة: من الفيزياء إلى وضعيات التصوير
I

فيزياء الأشعة السينية وآلية التصوير الشعاعي

الأشعة السينية (وتُعرف أيضًا بأشعة X أو أشعة رونتجن، نسبةً إلى مكتشفها العالم فيلهلم رونتجن عام 1895) هي أشعة كهرومغناطيسية ذات طول موجة قصير جدًا (يتراوح بين 10⁻⁹ و10⁻¹⁶ م)، وتواتر وطاقة عاليين، وتنتشر في الهواء بالسرعة ذاتها التي تنتشر بها في الفراغ (نحو 300,000 كم/ثا). تُقاس طاقة فوتوناتها بالكيلو إلكترون فولت، وتبلغ القدرة التقريبية للفوتون الواحد نحو 60,000 إلكترون فولت. الخاصية الجوهرية لهذه الأشعة أنها مؤيّنة، أي تملك القدرة على انتزاع إلكترون من مداره عند مرورها عبر أي وسط.

أ. تفاعل الأشعة مع جسم المريض

عند دخول الأشعة السينية إلى جسم المريض، يطرأ عليها أحد ثلاثة مصائر: أن تُمتص بالكامل فتنتقل كل طاقتها إلى أنسجة المريض، أو أن تنتقل عبر الجسم دون أي تغيير (وهذه نسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% من الأشعة الساقطة)، أو أن تتبعثر فيتغير اتجاهها وتتناقص قوتها. والأشعة الخارجة من جسم المريض والتي تُشكّل الصورة النهائية هي مزيج من الأشعة المبعثرة والمنقولة.

ب. تشكّل الصورة على الفيلم الشعاعي

الفيلم الشعاعي التقليدي عبارة عن مادة بلاستيكية مطلية بنترات الفضة، حيث توجد الفضة على هيئة شوارد موجبة (Ag⁺). والأشعة السينية من الناحية الفيزيائية عبارة عن إلكترونات سالبة (e⁻)، فعندما تسقط الأشعة على الفيلم يتحول الشكل الشاردي للفضة إلى فضة معدنية مترسبة وفق التفاعل: Ag⁺ + e⁻ → Ag↓. أما المناطق التي لم تصلها الأشعة فتبقى فيها الفضة على شكلها الشاردي دون ترسب. تقوم مواد التحميض لاحقًا بتثبيت الفضة المترسبة (تظهر باللون الأسود) وإزالة الفضة غير المترسبة (يبقى مكانها أبيض).

ترسب الفضة وظهورها باللون الأسود يعني نفوذية جيدة للأشعة وتخامدًا شعاعيًا قليلًا، أي عبورًا سهلًا للأشعة عبر جسم المريض. أما بقاء الفضة على شكلها الشاردي وزوالها مع مواد التحميض (فيظهر مكانها أبيض) فيدل على تخامد شعاعي كبير، أي امتصاص الأشعة من قبل الجسم ومنع عبورها إلى الفيلم. في التصوير الشعاعي الرقمي الحديث، يُستعاض عن فيلم الفضة بكواشف من السيلينيوم، وتُعالَج النتيجة حاسوبيًا (حذف الحدود المغيّمة، فلترة، وتباين).

II

مزايا صورة الصدر البسيطة

III

الكثافات الشعاعية الخمس

القاعدة الأساسية في قراءة صورة الصدر هي أن المواد ذات الكثافة المنخفضة تظهر أغمق (أميل للأسود) من المواد ذات الكثافة العالية التي تظهر أفتح (أميل للأبيض). وتوجد خمس كثافات شعاعية أساسية يجب حفظها جيدًا قبل البدء بأي قراءة منهجية لصورة الصدر:

الكثافات الشعاعية الخمس من الأغمق إلى الأفتح
أسود (Black)الهواء — الرئتان
رمادي غامق (Dark grey)الدسم — النسيج تحت الجلد
رمادي فاتح (Light grey)النسيج الرخو — القلب والأوعية الدموية
أبيض مائل للرمادي (Off-white)العظم — الترقوة والأضلاع
أبيض ساطع (Bright white)المعادن — الحلي المعدنية، علامات اليمين واليسار، الأجسام الصنعية

ملاحظة مهمة: يمكن كشف أي بنية أو جسم على صورة الصدر فقط إذا كان مجاورًا لبنى ذات كثافة مختلفة عنه — وهذا هو الأساس الفيزيائي لعلامة الظل (Silhouette sign) التي سنتناولها في الفصل التالي.

مخطط الكثافات الشعاعية الخمس من الرصاص إلى الهواء
الشكل 1.1 — الكثافات الشعاعية الأساسية مرتبة من الأعلى كثافة (الرصاص) إلى الأدنى (الهواء): رصاص، كبريتات الباريوم، عظم، عضلة، كبد، شحم، هواء.
صورة صدر توضح الكثافات الشعاعية المختلفة مع ناظمة قلب
الشكل 1.2 — تطبيق عملي على صورة صدر حقيقية: الهواء الرئوي أسود، الشحم تحت الجلد رمادي غامق، القلب والأوعية رمادي فاتح، الأضلاع والترقوة بيضاء مائلة للرمادي، بينما تظهر ناظمة القلب المزروعة (جسم معدني صنعي) بأبيض ساطع مميز.
IV

أنواع وضعيات تصوير الصدر

تُصنَّف وضعيات تصوير الصدر الشعاعي إلى خمس مجموعات رئيسية، سنستعرضها بالتفصيل في هذا الفصل:

  1. الوضعية الأمامية (Frontal): وتضم نوعين — الخلفية-الأمامية (PA) والأمامية-الخلفية (AP).
  2. الوضعية الجانبية (Lateral).
  3. الوضعية المائلة (Oblique).
  4. وضعية الاستلقاء الجانبي (Decubitus).
  5. الوضعية القمية المائلة (Apical Lordotic).
V

الوضعية الخلفية-الأمامية (PA)

تُعد الوضعية الخلفية-الأمامية (Postero-Anterior) الوضعيةَ القياسية والأدق لتصوير الصدر. تشير التسمية إلى اتجاه سير الأشعة عبر جسم المريض من الخلف إلى الأمام. تُجرى هذه الصورة والمريض واقف، وذلك للأسباب التالية:

تُصدَر الأشعة أفقيًا (بشكل عمودي على كاسيت الفيلم) من مسافة 6 أقدام (نحو 1.5–1.8 م) عن الفيلم. ويكون كاسيت الفيلم ملاصقًا تمامًا لصدر المريض، بحيث يكون القلب والمنصف في أقرب نقطة من الفيلم فلا يتضخم ظلهما بفعل التكبير الشعاعي. يوضع المريض بيديه على الخاصرتين والمرفقين إلى الجانبين، أو بذراعيه حول الكاسيت، بحيث تدور لوحا الكتف بعيدًا عن مجال الرئتين.

رسم توضيحي لوضعية المريض عند إجراء صورة PA
الشكل 1.3 — وضعية المريض عند إجراء صورة الصدر الخلفية-الأمامية (PA): المريض واقف وصدره ملاصق للكاسيت، ومصدر الأشعة على بعد 6 أقدام خلفه.
صورة حقيقية لمريضة أثناء إجراء صورة PA مع الفيلم الناتج
الشكل 1.4 — تطبيق عملي: وضعية حقيقية لمريضة أثناء إجراء صورة PA (يسار)، والفيلم الشعاعي الناتج (يمين).
VI

الوضعية الأمامية-الخلفية (AP) وفروقها عن PA

في الوضعية الأمامية-الخلفية (Antero-Posterior)، يوضع الفيلم خلف ظهر المريض وتسير الأشعة من الأمام إلى الخلف. تُستخدم هذه الوضعية للمرضى شديدي المرض (في العناية المركزة)، وغير القادرين على الوقوف، والرضّع، وفي أقسام الإسعاف — أي حيثما يتعذر إجراء الوضعية القياسية PA.

تنبيه تشخيصي: صورة AP أقل دقة من PA لسببين رئيسيين: يبدو المنصف متسعًا كاذبًا بسبب احتقان الأوردة لدى المريض المستلقي، وبسبب التكبير الشعاعي كون القلب أبعد عن الفيلم. كما أن أجهزة التصوير المحمولة (Portable) المستخدمة عادة مع AP تكون أقل قدرة وتُصوَّر من مسافة أقصر — وكلما ابتعد مصدر الأشعة عن الفيلم كانت الصورة أوضح وأقل تكبيرًا؛ لذا فالمسافة القصيرة في AP تزيد التكبير أكثر.
مخطط انتشار الأشعة في وضعية PA
الشكل 1.5أ — في وضعية PA يكون القلب قريبًا من الفيلم فلا يتكبر ظله كثيرًا.
مخطط انتشار الأشعة في وضعية AP
الشكل 1.5ب — في وضعية AP يكون القلب بعيدًا عن الفيلم، فيتكبر ظله بفعل تباعد أشعة المصدر.
مخطط يوضح سبب تضخم الظل القلبي الكاذب في وضعية AP مقارنة بـ PA
الشكل 1.6 — التفسير التشريحي لتضخم الظل القلبي الظاهري في إسقاط AP مقارنةً بـ PA؛ في AP يبتعد القلب عن الكاشف فيتضخم ظله الظاهري، بينما يقترب منه في PA فيبقى الحجم الظاهري أقرب للحقيقي.
أهمية قلبية: هذا هو السبب الذي يجعل تقدير حجم القلب (Cardiothoracic ratio) غير موثوق على صورة AP، ويجب دائمًا تفضيل PA كلما أمكن ذلك قبل الحكم على وجود ضخامة قلبية.
VII

الوضعية الجانبية (Lateral)

تُجرى الصورة الجانبية من المسافة ذاتها المستخدمة في PA (6 أقدام)، مع رفع الذراعين للأمام وللأعلى. يُختار الجانب الأيمن أو الأيسر بحسب أي جانب من الصدر سيكون ملاصقًا لكاسيت الأشعة: فإذا كانت صورة PA طبيعية، تُفضَّل الصورة الجانبية اليسرى (لأن القلب يكون حينها أقرب للفيلم فيظهر أوضح وأقل تكبيرًا)؛ أما إذا كانت PA غير طبيعية، فيوضع الجانب المصاب ملاصقًا للكاسيت.

تضيف الصورة الجانبية بعدًا ثالثًا للبنى التي تُرى على الصورة الأمامية (PA أو AP)، وهي مفيدة بشكل خاص لتحديد المناطق السبع "المخفية" على الصورة الأمامية، وإعطاء رؤية أفضل للعمود الفقري الصدري، وتشخيص التهاب لسان المزمار (وذمة فوق المزمار) والخانوق (التهاب الحنجرة والرغامى والقصبات، وذمة تحت المزمار)، وتحديد وجود وموضع الأجسام الأجنبية.

رسم توضيحي لوضعية المريض عند إجراء الصورة الجانبية
الشكل 1.7 — وضعية المريض عند إجراء الصورة الجانبية: الذراعان مرفوعتان للأمام وللأعلى، وأحد جانبي الصدر ملاصق للكاسيت.

أ. المناطق المخفية على الصورة الأمامية

تكمن أهمية الصورة الجانبية في كشف مناطق يصعب تقييمها على الصورة الأمامية وحدها، وينبغي دائمًا إلقاء نظرة ثانية عليها:

صورة صدر أمامية موضح عليها المناطق المخفية السبع
الشكل 1.8 — المناطق "المخفية" السبع على الصورة الأمامية والتي تستدعي فحصًا إضافيًا بالصورة الجانبية.

ب. نقاط تقنية في قراءة الصورة الجانبية

صورة جانبية توضح كتلة حول النقير
الشكل 1.9 — مثال عملي: A) صورة جانبية غير موسومة، B) الصورة نفسها مع تحديد حدود كتلة كبيرة حول النقير (نقاط بيضاء). ولأن بنىً طبيعية عديدة تتراكب ضمن منطقة النقير، ينبغي فحصها بعناية فائقة لأن الآفات فيها — وإن كانت كبيرة — قد تكون خفية.
صورة جانبية توضح علامة العمود الفقري لتقييم جودة التعريض والشهيق
الشكل 1.10 — يُضمَن التعريض والشهيق الجيدان على الصورة الجانبية بملاحظة أن العمود الفقري يظهر أغمق تدريجيًا كلما اتجهنا نحو الأسفل (الذيل)، نتيجة زيادة الهواء الرئوي في الفصوص السفلية وقلة سماكة جدار الصدر في تلك المنطقة.
VIII

الوضعية المائلة (Oblique)

هي وضعية دورانية وسيطة بين الصورة الأمامية القياسية والصورة الجانبية. تفيد بشكل خاص في تحديد موضع آفة معينة بدقة، وإبعاد تراكب البنى فوق بعضها، وتقييم آفات الأضلاع.

لتصوير الأزواج الأربعة السفلية من الأضلاع (9 إلى 12): تُسقَط هذه الأضلاع أسفل الحجاب الحاجز، وتكون نقطة تمركز الأشعة عند الحافة الضلعية السفلية، وتُؤخذ الصورة في نهاية الزفير القسري الكامل.

رسم توضيحي لوضعية المريض في الصورة المائلة الأمامية اليسرى
الشكل 1.11 — وضعية المريض لإجراء صورة مائلة أمامية يسرى (Left Anterior Oblique).
صورة شعاعية فعلية بوضعية مائلة أمامية يسرى
الشكل 1.12 — الصورة الشعاعية الناتجة عن الوضعية المائلة الأمامية اليسرى.
IX

وضعية الاستلقاء الجانبي (Lateral Decubitus)

هي صورة أمامية تُؤخذ والمريض مستلقٍ على أحد جانبيه، وتُسمّى الوضعية بحسب الجانب السفلي (الملاصق للسرير). تُستخدم هذه الوضعية بشكل خاص للحالتين التاليتين:

وضعية الاستلقاء الجانبي وكشف انصباب جنبي صغير
الشكل 1.13 — وضعية الاستلقاء الجانبي (يسار)، وصورتان توضحان كيف يكشف هذا الوضع انصبابًا جنبيًا صغيرًا (الأسهم) لا يظهر بوضوح على الصورة الأمامية القياسية.
X

الوضعية القمية المائلة (Apical Lordotic)

تُؤخذ هذه الصورة بزاوية موجهة للأعلى للحصول على رؤية أوضح لقمتي الرئتين، إذ ترفع هذه الزاوية ظلي الترقوتين إلى الأعلى فتُحرّرهما من التراكب مع قمة الرئة. تفيد هذه الوضعية خصوصًا في:

صورة شعاعية بوضعية قمية مائلة توضح قمتي الرئتين
الشكل 1.14 — صورة بالوضعية القمية المائلة (Apical Lordotic)، حيث ترتفع الترقوتان فوق مستوى قمتي الرئتين، مما يتيح رؤية أوضح لهذه المنطقة التي كثيرًا ما تُخفي آفات مهمة على الصورة القياسية.