حصارات العقدة الأذينية البطينية (AV block)
نتذكّر من الدرس الثاني أن العقدة الأذينية البطينية (AV node) تؤخّر الإشارة الكهربائية عمدًا قبل تمريرها إلى البطينين. عندما يصبح هذا التأخير مرضيًا أو ينقطع التوصيل جزئيًا أو كليًا، نتحدث عن "حصار أذيني بطيني"، ونُصنّفه إلى ثلاث درجات حسب شدته.
حصار الدرجة الأولى
هذا في الحقيقة ليس "حصارًا" حقيقيًا بقدر ما هو تأخّر بسيط: كل موجة P تصل في النهاية إلى البطينين وتُنتج مركب QRS، لكن فاصلة PR تكون مطوّلة بثبات (أكثر من 200 ميلي ثانية، أي أكثر من 5 مربعات صغيرة). لا تحتاج هذه الحالة عادة أي علاج بحد ذاتها، لكنها قد تستدعي مراجعة الأدوية المُبطئة للتوصيل (حاصرات بيتا، حاصرات قنوات الكالسيوم) إذا كانت الفاصلة مطوّلة جدًا.
حصار الدرجة الثانية: نوعان مختلفان تمامًا
هذا التصنيف يحتوي على نمطين مختلفين جوهريًا في الآلية والخطورة، ولا يجوز الخلط بينهما:
النوع الأول (Mobitz I / ظاهرة Wenckebach)
تتزايد فاصلة PR تدريجيًا من نبضة إلى أخرى حتى تسقط نبضة كاملة (موجة P لا يتبعها مركب QRS)، ثم تعود الدورة من جديد. غالبًا ما يكون منشأ هذا النمط في العقدة الأذينية البطينية نفسها، وهو عادة نمط حميد نسبيًا وقد يُشاهد حتى عند بعض الرياضيين الأصحاء أثناء النوم.
النوع الثاني (Mobitz II)
هنا تكون فاصلة PR ثابتة (لا تتزايد تدريجيًا)، لكن فجأة تسقط نبضة دون أي إنذار مسبق. هذا النمط أخطر بكثير من النوع الأول، لأن منشأه غالبًا أسفل العقدة الأذينية البطينية (في حزمة هس أو الغصنين)، وينذر بخطر تطور مفاجئ إلى حصار كامل.
التمييز بين النوعين الأول والثاني ليس تفصيلاً أكاديميًا: النوع الثاني يُعتبر مؤشرًا لزرع ناظمة قلب اصطناعية (pacemaker) في أغلب الحالات، بينما النوع الأول غالبًا لا يحتاج تدخلاً فوريًا.
حصار الدرجة الثالثة (الحصار الكامل)
انقطاع كامل للتوصيل بين الأذينين والبطينين: تستمر الأذينان بالانقباض بمعدلهما الخاص (موجات P منتظمة)، بينما تنقبض البطينات بمعدل مستقل تمامًا وأبطأ بكثير، يُولّده "نظم هروبي" (escape rhythm) من مصدر أسفل مكان الحصار. النتيجة على الورق: موجات P وموجات QRS كل منها منتظم بمعدله الخاص، لكن لا توجد أي علاقة ثابتة بينهما (تفكّك أذيني بطيني كامل).
الحصار الكامل حالة قد تهدد الحياة، خاصة إذا كان النظم الهروبي بطيئًا جدًا أو غير مستقر، وقد يستدعي ناظمة قلب مؤقتة إسعافية ثم دائمة.
حصارات الغصنين
عندما يتأخر أو ينقطع التوصيل في أحد الغصنين (الأيمن أو الأيسر) بعد حزمة هس، يتسع مركب QRS (أكثر من 120 ميلي ثانية) لأن البطين المتأثر يُستقطب بشكل متأخر عبر انتقال الإشارة من خلية إلى خلية بدلاً من الشبكة الموصلة السريعة.
- حصار الغصن الأيمن (RBBB): يظهر نمط مميز من شكل RSR' ("أذنا أرنب") في V1، مع موجة S عريضة في V6.
- حصار غصن أيسر (LBBB): يظهر مركب QRS عريض سالب في V1 وموجب عريض ومتشقق غالبًا في V6، ويحجب هذا النمط عادة إمكانية تفسير تغيرات ST-T من أجل تشخيص نقص التروية بنفس الطريقة المعتادة.
ظهور حصار غصن أيسر جديد (بالمقارنة مع تخطيط سابق) عند مريض بألم صدري حاد يُعامل تاريخيًا كمؤشر إنذاري خطير يستدعي تقييمًا إسعافيًا كأنه احتشاء محتمل، حتى لو لم تكن معايير الاحتشاء الكلاسيكية واضحة بسبب تشوه شكل QRS نفسه.
توجد أيضًا حصارات جزئية أدق تُسمى الحصار الحزمي (fascicular block)، حين يتأثر أحد فرعي الغصن الأيسر (الأمامي أو الخلفي) فقط، وتظهر غالبًا كانحراف في المحور الكهربائي دون اتساع كبير في QRS.
ماذا نفعل عمليًا
- حصار الدرجة الأولى ونمط Mobitz I: مراقبة عادة، مع مراجعة الأدوية المُبطئة للتوصيل.
- Mobitz II والحصار الكامل: تقييم عاجل لاحتمال زرع ناظمة قلب.
- حصار غصن جديد مع أعراض قلبية حادة: يُعامل كحالة إسعافية تستدعي تقييمًا فوريًا لاحتمال احتشاء عضلة القلب.
البطء القلبي (Bradycardia)
يُعرَّف البطء القلبي عادة بمعدل أقل من 60 نبضة/دقيقة. إذا كان المنشأ لا يزال العقدة الجيبية (موجة P طبيعية قبل كل QRS بفاصلة PR طبيعية) نسميه "بطء جيبي" (sinus bradycardia). هذا شائع جدًا وقد يكون طبيعيًا تمامًا عند الرياضيين المدربين جيدًا أو أثناء النوم، لكنه قد يكون أيضًا ناتجًا عن أدوية (حاصرات بيتا)، قصور الغدة الدرقية، أو خلل داخلي في العقدة الجيبية نفسها (متلازمة العقدة الجيبية المريضة sick sinus syndrome) عند كبار السن خصوصًا.
السؤال السريري الأهم أمام أي بطء قلبي ليس «كم المعدل؟» بل «هل يوجد أعراض مصاحبة؟» — دوخة، إغماء، تعب غير مبرر. البطء العرضي هو ما يستدعي عادة تقييمًا لزرع ناظمة قلب، وليس الرقم وحده.
خوارج الانقباض الأذينية والبطينية (Extrasystoles)
هي نبضات إضافية تأتي قبل أوانها الطبيعي، تنشأ من بؤرة كهربائية خارج المسار الطبيعي، وتُصنَّف حسب منشئها:
- خارجة الانقباض الأذينية (PAC): موجة P مبكرة الشكل مختلف قليلاً عن موجات P الجيبية، يتبعها عادة مركب QRS طبيعي الشكل.
- خارجة الانقباض البطينية (PVC): مركب QRS عريض وغريب الشكل يظهر مبكرًا دون موجة P تسبقه مباشرة، وغالبًا ما يتبعه توقف تعويضي.
كلاهما شائع جدًا حتى عند الأشخاص الأصحاء تمامًا، وغالبًا ما يكون حميدًا لا يستدعي علاجًا إذا كان نادرًا وغير مصحوب بمرض قلبي هيكلي. لكن خوارج الانقباض البطينية المتكررة جدًا أو المتتالية (خاصة بأنماط معينة) قد تستدعي تقييمًا أعمق.
التسرعات: تصنيف عملي أولاً
أي تسرّع (معدل أكثر من 100 نبضة/دقيقة) يُصنَّف عمليًا بسؤالين سريعين قبل أي تفصيل آخر:
- هل مركب QRS ضيق (أقل من 120 ميلي ثانية) أم عريض؟
- هل النظم منتظم أم غير منتظم؟
هذان السؤالان وحدهما يضيّقان التشخيص التفريقي بشكل كبير جدًا، وهما نقطة الانطلاق العملية في أي حالة تسرّع حقيقية.
التسرعات ضيقة المركب
- تسرّع جيبي (sinus tachycardia): نفس شكل النظم الجيبي الطبيعي لكن بمعدل أسرع، وغالبًا رد فعل فيزيولوجي (حمّى، جهد، ألم، فقر دم، فرط نشاط الدرقية) وليس اضطراب نظم أولي.
- التسرّع فوق البطيني الانتيابي (SVT/AVNRT): بداية ونهاية مفاجئتان، معدل سريع جدًا ومنتظم (غالبًا 150-220)، وغالبًا لا تُرى موجات P واضحة لأنها تندمج مع المركب.
- الرفرفة الأذينية (Atrial flutter): نمط "أسنان المنشار" المميز في الاتجاهات السفلية، مع معدل أذيني حول 300 ونسبة توصيل شائعة 2:1 تعطي معدل بطيني حول 150.
التسرعات عريضة المركب
هذا التصنيف أخطر ويستحق حذرًا خاصًا: أي تسرّع بمركب QRS عريض يجب أن يُعامل مبدئيًا على أنه تسرّع بطيني (Ventricular Tachycardia - VT) حتى يُثبت العكس، وليس العكس.
الخطأ الشائع والخطير هو افتراض أن تسرّعًا عريض المركب هو مجرد «تسرّع فوق بطيني مع توصيل شاذ» (SVT with aberrancy) لتبرير عدم القلق. هذا الافتراض قد يكون قاتلاً إذا كان في الحقيقة تسرّعًا بطينيًا. التعامل الأولي الآمن دائمًا هو افتراض المنشأ البطيني حتى يثبت العكس بوضوح.
الرجفان الأذيني والبطيني
الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation - AF)
غياب تام لموجات P منظمة، تستبدلها تموجات غير منتظمة لخط الأساس، مع نظم بطيني غير منتظم بشكل غير منتظم (irregularly irregular) — وهذه هي العلامة المميزة الأهم للتعرف عليه بسرعة. الرجفان الأذيني يرفع خطر السكتة الدماغية بشكل كبير بسبب احتمال تشكّل خثرات داخل الأذين الأيسر، ولهذا يُعتبر تقييم الحاجة لمضادات التخثر جزءًا أساسيًا من التعامل معه.
الرجفان البطيني (Ventricular Fibrillation - VF)
نشاط كهربائي فوضوي تمامًا بلا أي مركبات QRS يمكن تمييزها، وهو أحد أسباب السكتة القلبية المباشرة، ويستدعي إنعاشًا قلبيًا رئويًا فوريًا وصدمة كهربائية (defibrillation) دون أي تأخير.
الرجفان البطيني لا يُشخَّص من الورق فقط في العيادة الهادئة — إذا رأيته على شاشة المراقبة، فالمريض على الأرجح فاقد للوعي ودون نبض، والأولوية المطلقة هي بدء الإنعاش والصدمة الكهربائية فورًا، وليس تحليل الشريط.
متلازمة Wolff-Parkinson-White
في هذه الحالة الخلقية، يوجد مسار توصيل إضافي شاذ يربط الأذينين بالبطينين مباشرة، متجاوزًا التأخير الطبيعي في العقدة الأذينية البطينية. ينتج عن ذلك نمط مميز على المخطط الأساسي حتى بدون أي نوبة تسرّع:
- فاصلة PR قصيرة (أقل من 120 ميلي ثانية).
- "موجة دلتا" (delta wave): بداية بطيئة ومتدرجة لمركب QRS.
- مركب QRS عريض نسبيًا نتيجة هذا الانتشار المبكر.
أهمية هذه المتلازمة أنها تُهيّئ لنوبات تسرّع انتيابي، وفي حالات نادرة قد يتحول رجفان أذيني مصاحب لها إلى تسرّع بطيني خطير إذا تم توصيل الرجفان عبر المسار الشاذ بمعدل سريع جدًا.